شهدت شركات الدراجات النارية الصينية ظهوراً ملحوظاً على الساحة الدولية في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت سباقات العالم أكثر من مجرد اختبار للسرعة والهندسة، بل منصة قوية لبناء العلامات التجارية وكسب جماهير عالميين. حيث ارتفعت صادرات الصين من الدراجات النارية بنسبة 18 بالمئة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام السابق، محققةً حوالي 8.98 مليون دراجة، في حين زاد قيمة صادراتها بشكل كبير بنسبة 22.9 بالمئة لتبلغ حوالي 6.2 مليار دولار أمريكي. على هذا المنوال، من المتوقع أن تتجاوز الصادرات الكلية لهذا العام 15 مليون وحدة، ما يمثل أكثر من 60 بالمئة من الإنتاج الإجمالي للصين من الدراجات النارية. لطالما كانت الأسواق الرئيسية لتصدير الدراجات الصينية تشمل جنوب شرق آسيا وأفريقيا، لكن الصورة تتغير اليوم، حيث تتجه الشركات المصنعة نحو نماذج بمحركات أكبر وقيمة مضافة أعلى. والتقدمات التي حققتها علامات مثل شركة CFMOTO وZhangxue Garage في دوائر السباقات العالمية تسرع هذا التحول.
في 14 سبتمبر، ضمن الجولة الرابعة عشرة من موسم 2026 لموتوجي، أحرز السائق ديفيد ألونزو من فريق CFMOTO Aspar فوزاً كبيراً في سباق موتو 3. وبعدها بأسبوع، فاز السائق الصيني الصغير سون شينغبو، البالغ من العمر 13 عاماً، من فريق CFMOTO Aspar Junior في سباق ضمن جولة نافاراس من بطولة إسبانيا للسوبربايك. كما توج بلقب بطولة العام في فئة المواهب، ليصبح أول سائق صيني في سباقات الطرق يُتوّج بطلاً سنوياً في أعلى فئة للشباب في إسبانيا، وهو إنجاز يعكس تطور مكانة الصين في رياضات المحركات.
وعن سبب استثمار شركة CFMOTO في سباقات عالمية ذات تكلفة عالية، أكد نائب رئيس الشركة، تشن تشي يونغ، ضرورة النظر للهدف على المدى البعيد، قائلاً: “هل تريد أن تربح حرباً طويلة الأمد، أم معركة قصيرة؟” وأضاف: “نهدف لأن نكون على مستوى العالم ونترك بصمة في رياضات المحركات، والهدف النهائي هو أن تكون الدراجات الصينية، والدرّاجون الصينيون، على مضامير الصين وأعلى المستويات. هذا يتطلب العمل المستمر والصعب، لكنه الصحيح، بدلاً من اللجوء إلى طرق سهلة لتحقيق الإعلان القصير الأمد.”
تاريخياً، دخلت CFMOTO سوق أوروبا منذ بداياتها عام 2005 من خلال مشاركتها في معرض إيكما، وبدأت تكتسب مكانة في سوق مركبات الطرق الوعرة منذ عام 2014، خاصة بعد استحواذها على علامة GOES الأوروبية في 2024، مما عزز حضورها المحلي والأوروبي. بعد ما يقرب من عشرين عاماً من التوسع في الأسواق المحلية، انطلقت الشركة في عالم موتوجي، بطولة العالم لسباقات الدراجات النارية، عام 2022، وأصبحت أول مصنع صيني يشارك رسمياً في هذه المسابقة.
وفي عام 2024، دخلت CFMOTO في شراكة مع فريق أسبار الإسباني العريق، الذي يملك تاريخاً يمتد لأكثر من 40 عاماً، إذ وقعت عقداً طويل الأمد يمتد حتى عام 2031. وذكر مؤسِس فريق أسبار، خورخي مارتيز، أن رؤيتهما المستقبلية كانت تتوافق منذ نحو عشرة أعوام، حيث رأى أن التعاون مع CFMOTO سيساهم في إدخال مفهوم «عالم أسبار» الذي يربط بين السائقين، والسباقات، والصناعة بشكل أوسع. وأكد أن الشراكة لم تكن خياراً سهلاً، وأن الاجتماع بمصنع CFMOTO والتعرف على قدراته زاد من ثقته بالعلامة التجارية، خاصة مع ما شاهده من سرعة تطوير لم يسبق له مثيل.
أما في مجال التسويق، فتُعدّ السباقات منصة فعالة لتعزيز قيمة العلامة التجارية، إذ يظهر شعار CFMOTO وصور السائقين البارزين في الأماكن الأكثر ظهوراً بمعارض السيارات، ويقول مسؤول التوزيع أن الشركة تسيطر على حوالي 46 بالمئة من سوق السيارات الرباعية الدفع في إسبانيا، وتحقق نمواً مستمرًا في مبيعات دراجاتها على الرغم من المنافسة القوية. كما أن سلسلة دراجات 450MT للطرق الوعرة أصبحت شائعة بشكل كبير، وبلغت المبيعات السنوية المستهدفة بحلول سبتمبر.
وتستخدم الشركة الثقافة الرياضية و استراتيجيات التسويق المحلية لبناء روابط أوثق مع المستهلكين، وتوسيع شبكة متاجرها التي تتجاوز الآن 40 متجرًا في المنطقة، مع خطط لافتتاح المزيد بسرعة. بالمقارنة مع العلامات الأوروبية واليابانية المعروفة، أثبتت الشركات الصينية براعة خاصة في التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى، بحيث تخلق علاقة عاطفية مع الجمهور تتجاوز التكنولوجيا نفسها، من خلال أنشطة مباشرة، محتوى السباقات، والبث المباشر، مما يساعد على تحويل المشاهدين إلى عشاق للعلامة التجارية.
كما أن مبيعات البضائع ذات العلامة التجارية تشهد ارتفاعاً ملحوظاً، حيث نفدت التيشيرتات في سباق موتوجي الأخير بمضمار ميسانو في إيطاليا. ويقول خبراء الصناعة إن الشركات الصينية تتفوق أيضاً في بناء المجتمعات الرقمية وتوزيع المحتوى، مما يمنحها فرصة لتعزيز مكانتها من مجرد مورّد تقني إلى شريك فاعل في صناعة الدراجات النارية عالمياً.
ويتشابه التحدي الأكبر الذي يواجه الشركات الصينية مع الحاجة إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد، حيث يؤكد نائب رئيس الشركة أن جهود الترويج قصيرة الأمد لا يمكن أن تبني علامة قوية على المدى الطويل، وأنها بحاجة للمنافسة مع الأفضل، الأمر الذي يدفع نحو تطوير تكنولوجي متواصل. ويلخص هذا النهج بالمقولة الصينية “الذات القوى تجعل كل شيء قوياً”، بمعنى أن بناء القدرات الذاتية هو السبيل الحقيقي للمنافسة العالمية.
وفي سياق السباقات، تعتبر هذه المسابقات محفزاً رئيسياً للتطور التكنولوجي، حيث أن التقنيات المستخدمة حالياً في الدراجات العالية الأداء ناتجة عن سنوات من المنافسة، وتستلزم الابتكار المستمر. ومع ذلك، فهل يمكن أن يسرّع السباق العالمي من انتشار الشركات الصينية؟ الجواب نعم، لكن ليس من خلال حجم البيعات فقط، بل عبر إعادة تشكيل مكانة هذه الشركات من مجرد موردين إلى شركاء، وأخيراً صانعي قواعد السوق.
والشرط الأساسي لهذا التطور هو أن تظل على المسار الصحيح طويلاً، كما أكد نائب الرئيس، وهو ما يقتضي العمل على استراتيجيات طويلة المدى، رغم صعوبتها، لأنها الأساس الحقيقي لبناء مستقبل قوي في السباق العالمي. فالسباق الحقيقي لم يبدأ بعد.